ابن جزار القيرواني
12
طب الفقراء والمساكين
ويعود بعدها إلى متابعة عمله بنشاط وحيوية دائمتين . لم يكن يتردد على بيت أحد من رجال الدولة ولا حتى الملك ، لكنه كان يذهب فقط كل يوم جمعة لزيارة أبي طالب بن عبيد اللّه المهدي « 1 » الذي تربطه به صداقة قديمة . يلخص ياقوت الحموي هذا المسلك في عبارة واحدة « 2 » : « كان صائنا لنفسه ، منقبضا عن الملوك » . وعلى هذا اتفق الذين ترجموا له بأمانة ، وقد روى بعضهم حادثة تؤكد هذا المسلك : فقد بعث وزير فاطمي بكتاب شكر اليه معربا فيه عن امتنانه لمعالجته ابنه المريض ، وقد ارفقه بهدية نقدية وكسوة ، فأخذ ابن الجزار الكتاب وأجاب شاكرا وامتنع عن اخذ المال والكسوة . وأيضا ذكر البيوغرافيون انه لم يقبض ابدا من مرضاه قيمة العلاج والدواء بنفسه ، فقد أعد صيدلية جوار داره واجلس فيها شابا قيروانيا اسمه رشيق لا عطاء المرضى دواءهم الذي يصفه الطبيب ويستلم منهم ثمنه . ولم يكن يتقاضى من الفقراء شيئا وكان يستقبلهم ويساعدهم دائما . وهذه الميزة المهمة فيه وتأليفه لكتاب في الطب للفقراء يكشفان لنا وجها اجتماعيا حميدا لطبيبنا الكبير . وكما نظن فان تألقه لم يخفت لأنه ترك بعد وفاته ثروة كبيرة ، إذ وجد أنه قد ترك اربع وعشرين ألف دينار ذهب ، وثروة أخرى هي بدون شك أغلى من الأولى وهي خمس وعشرون قنطارا من الكتب في الطب وعلوم أخرى . قلنا سابقا ان هناك من ذكره بسوء ، ونحن نشك بصدق تلك
--> ( 1 ) . أنظر المادة رقم : 10 في طبقات ابن جلجل لفؤاد سيد ص : 90 . ( 2 ) . معجم 1 : 81 .